محمد بن جرير الطبري
446
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والطاعة لا نشرك به شيئا ، ولا نعبد غيره أحدا ، كما عبد أهل الأَوثان معه الأَوثان ، وأصحاب العجل معه العجل . وهذا من الله تعالى ذكره توبيخ لليهود واحتجاج لأَهل الإِيمان ، بقوله تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : قولوا أيها المؤمنون لليهود والنصارى الذين قالوا لكم : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا . أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ يعني بقوله : فِي اللَّهِ في دين الله الذي أمرنا أن ندينه به ، وربنا وربكم واحد عدل لا يجوز ، وإنما يجازي العباد على ما اكتسبوا . وتزعمون أنكم أولى بالله منا لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم ، ونحن مخلصون له العبادة لم نشرك به شيئا ، وقد أشركتم في عبادتكم إياه ، فعبد بعضكم العجل وبعضكم المسيح . فأنى تكونوا خيرا منا ، وأولى بالله منا . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ قال أبو جعفر : في قراءة ذلك وجهان ؛ أحدهما : أَمْ تَقُولُونَ بالتاء ، فمن قرأ كذلك فتأويله : قل يا محمد للقائلين لك من اليهود والنصارى كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا أتجادلوننا في الله أم تقولون إن إبراهيم ؟ فيكون ذلك معطوفا على قوله : أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ . والوجه الآخر منهما " أم يقولون " بالياء . ومن قرأ ذلك كذلك وجه قوله : " أم يقولون " إلى أنه استفهام مستأنف ، كقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ وكما يقال : إنها لإِبل أم شاء . وإنما جعله استفهاما مستأنفا لمجيء خبر مستأنف ، كما يقال : أتقوم أم يقوم أخوك ؟ فيصير قوله : " أم يقوم أخوك " خبرا مستأنفا لجملة لست من الأَول واستفهاما مبتدأ . ولو كان نسقا على الاستفهام الأَول لكان خبرا عن الأَول ، فقيل : أتقوم أم تقعد . وقد زعم بعض أهل العربية أن ذلك إذا قرئ كذلك بالياء ، فإن كان الذي بعد أم جملة تامة فهو عطف على الاستفهام الأَول ؛ لأَن معنى الكلام : قيل أي هذين الأَمرين كائن ، هذا أم هذا ؟ . والصواب من القراءة عندنا في ذلك : أَمْ تَقُولُونَ بالتاء دون الياء عطفا على قوله : قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا بمعنى : أي هذين الأَمرين تفعلون ؟ أتجادلوننا في دين الله ، فتزعمون أنكم أولى منا ، وأهدى منا سبيلا ، وأمرنا وأمركم ما وصفنا على ما قد بيناه آنفا ، أم تزعمون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن سمى الله كانوا هودا أو نصارى على ملتكم ، فيصح للناس بهتكم وكذبكم ؛ لأَن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سماهم الله من أنبيائه ، وغير جائزة قراءة ذلك بالياء لشذوذها عن قراءة القراء . وهذه الآية أيضا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى الذين ذكر الله قصصهم . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى : أتحاجوننا في الله ، وتزعمون أن دينكم أفضل من ديننا ، وأنكم على هدى ونحن على ضلالة ببرهان من الله تعالى ذكره فتدعوننا إلى دينكم ؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط كانوا هودا أو نصارى على دينكم ؟ فهاتوا على دعواكم ما ادعيتم من ذلك برهانا فنصدقكم فإن الله قد جعلهم أئمة يقتدى بهم . ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد إن ادعوا أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط كانوا هودا أو نصارى : أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأَديان أم الله ؟ القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ . يعني : فإن زعمتم يا محمد اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأَصحابك كونوا هودا أو نصارى ، أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط كانوا هودا أو نصارى ، فمن أظلم منهم ؟ يقول : وأي امرئ أظلم منهم وقد كتموا شهادة عندهم من الله بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأَسباط كانوا مسلمين . فكتموا ذلك ونحلوهم اليهودية والنصرانية . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك : فحدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا